مقالات

خطب الجمع

 

بقلم الدكتور /
عبدالرحمن عبدالله الخليفي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى – إمام و خطيب جامع الشيخ عبدالله الخليفي
– رحمه الله – بمكة المكرمة

الحمدلله ، و الصلاة و السلام على سيدنا رسول الله ، أما بعد :-
فتعد منابر المساجد ينابيع عذبة تفيض بالإيمان ، و مراكز إشعاع تضيء الطرق المؤدية لهداية الإنسان ، فهي بحق المشاعل التي تنطلق منها التوجيهات المباركة و الدعوات و التعاليم و الإرشادات النافعة التي تسهم في تماسك المجتمع و ترابط أفراده .
و هكذا كان منبر نبينا محمد صلى الله عليه و سلم منارة علمية أضاءت للأمة دروب العزة ، و جامعة علمية رائدة ، بدَّلت بفضل الله ظلام الحياة نوراً ، و جهل الناس ثقافة و علماً ، و سارت بالإنسانية إلى حضارة مهذبة رائعة ، تجمع بين الروح و المادة ، و الدين و الدنيا و الآخرة ، بعيداً عن التنفير و التعسير و التشهير ، أو الانتقاص من قدر الآخرين ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى ( و كان مدار خطبه صلى الله عليه و سلم ، على حمدالله و الثناء عليه ، بآلائه و أوصاف كماله و محامده و تعليم قواعد الإسلام ، و ذكر الجنة و النار و المعاد ، و الأمر بتقوى الله ، و تبيين مواقع رضاه ، و موارد غضبه ، و كان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة الناس ، و كان يقول عليه الصلاة و السلام :- إن طول صلاة الرجل و قصر خطبته ، مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، و اقصروا الخطبة ) و لا شك أن الخطيب الناجح المؤثر ، هو الذي يقتدي بسيد المرسلين صلى الله عليه و سلم ، في شؤونه عامة ، و في خطبه و دعوته بصفة خاصة ، و أن يمتثل قول الله تعالى [ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن ] ، و أن يبتعد عن أساليب التجريح و التشهير ، و هذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه و سلم حينما ينكر على أحد من الناس ، فعن عائشة رضي الله عنها ، صنع النبي صلى الله عليه و سلم شيئاً ترخص فيه و تنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم ، فحمدالله و أثنى عليه ، ثم قال [ ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني أعلمهم بالله و أشدهم له خشية ] قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله :- ( ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة ، و ذكر ذلك على المنابر ، لأن ذلك يفضي إلى الفوضى ) وجميل بالخطيب أن يسلك في خطبه هذا المسلك ، الذي سلكه علماؤنا الكبار ، ففي التلميح ما يغني عن التصريح ، و في التعميم ما يغني عن التخصيص ، و في ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى
تعمدني بنصحك في انفرادي و جنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
و إن خالفتني و عصيت قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
و كلما كان الخطيب مراعياً لأحوال المصلين متلمساً لهمومهم و قضاياهم ، كلما قرب من نفوسهم و قلوبهم قبل أسماعهم ، فالناس لا يميلون في الغالب إلى الخطيب الذي يطيل في خطبه ، و لا يصف الواقع كما ينبغي ، أو الذي دأبه دوماً التهويل في ذوات الأشخاص أو الأحداث ، و طرح المشكلات في الخطب دون تقديم الحلول الناجعة لها ، و في هذا يقول النبي صلى الله عليه و سلم [ إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم ] ، فلابد من التركيز في الخطب على القضايا المهمة ، و النوازل المدلمة ، و التحضير الجيد لهذا الطرح الذي سيكون محط الأسماع في الجوامع ، و لابد أن يناقش الخطيب أمراض المجتمع ، و قضايا الشباب المعاصرة وفق الأدلة من الكتاب و السنة و الأنظمة المستمدة منهما ؛ حتى يكونوا بعيدين عن الأمور السلبية كالتطرف و الغلو و الانحرافات السلوكية و الفكرية و الجرائم بمختلف أنواعها ، بدلاً من التبرم من جيل الشباب و التباكي على حالهم ، و اتهام الآخرين جزافاً بحبك المؤامرات و المخططات دون العمل على مواجهة المشكلات بشكل منظم و مدروس .
و لاشك أن الخطبة الجامعة النافعة المستوفية لشروط النجاح ، هي الخطبة المختصرة الواضحة المكتملة الأركان ، و البعيدة عن عبارات التشدق و التكلف ، و التي يراعى فيها أحوال المصلين باختلاف أعمارهم و أجناسهم و ثقافاتهم ، مع إعطاء الموضوع حقه من الإيضاح و البيان ، و قد نبه النبي صلى الله عليه و سلم إلى ذلك بقوله [ فإن فيهم الضعيف و الكبير و ذو الحاجة ] و كم هو جميل حقاً لو تم تكثيف الدورات التدريبية للخطباء للارتقاء بالمستوى الخطابي في الجوامع ، و عقد اللقاءات الدورية بين خطباء المساجد و تبادل الخبرات و التجارب الدعوية بينهم ، و تزويد كل خطيب بكل جديد في هذا الشأن ، و تقديم خطابات الشكر و التقدير لهم على جهودهم ، لنصل إلى أرقى المستويات الخطابية التي من خلالها يستطيع خطيب الجامع أن يعرف الدور المطلوب منه وهو على أعواد المنبر ، و أن يتعرف على الفرق بين الخطبة و بين الدرس و المحاضرة و الموعظة ، فلكل منها خصائص تختص بها ، و مزايا تمتاز بها عن غيرها ، و القدوة للجميع في ذلك إمام الأنبياء و سيد الاتقياء صلى الله عليه و سلم، و كلما كان الخطيب ملماً بالأنظمة الرسمية و مطلعاً على كل جديد يصدر منها ، خاصة ما يتعلق في مجال عمله أو ما يتعلق بالمصلين ، فهذا أمر طيب يحسب للخطيب ، و من الإضافات الجميلة التي يمكن ان يسلط الضوء عليها من خلال الخطبة ، الإشارة إلى بعض الأنظمة المهمة ، و من أبرزها على سبيل المثال : النظام الأساسي للحكم ، الذي جاء في مواده نصوص صريحة على وجوب تعزيز الوحدة الوطنية ، و منع كل ما يؤدي للفرقة و الفتنة و الانقسام ، أو يمس أمن الدولة و علاقاتها العامة ، أو يسيء إلى كرامة الإنسان و حقوقه ، و كذا نظام مكافحة جرائم المعلوماتية الذي تضمن عقوبات رادعة لكل من يقدم على المساس بالحياة الخاصة للآخرين عن طريق استخدام الهواتف النقالة ، و أيضاً الأنظمة المتعلقة بمخالفات الذوق العام ، و غيرها من الأنظمة المهمة في الدولة التي يحسن للخطيب أن يتطرق إليها في خطبه حتى يستفيد منها المستمعون .
و الله ولي التوفيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق