جديـد الأخبـار
الصفحة الرئيسية / صدى الأدبية / جُحْرُ الضَّبِّ يشكو الازدحامَ

جُحْرُ الضَّبِّ يشكو الازدحامَ

بقلم:
عقيل مطير الحاتمي

إنَّ من أعظمِ ما تفضَّل اللهُ بهِ على أُمَّةِ الإسلامِ، المنهجَ الإلهيَّ الذي به تحتكمُ، وإليه تتحاكمُ، وهو ما يُميِّزُها عن سائر الأُمَمِ التي نبذت كتابها وراءَ ظهورها، وحكَّمت الأهواءَ وما تشتهيه الأنفُسُ، وضربت بالحقِّ عُرضَ الحائط، لتكون هي الحاكمَ والمُحكِّمَ دون غيرها؛ ما جعلها أُمَّةَ رعاعٍ تافهةً، فسلَّط اللهُ عليها الذُّلَّ والهوانَ جرَّاء ما قامت به من السَّير واللَّهث خلفَ الأهواءِ والأعداءِ، فكانت العاقبةُ وخيمةً، ولكن يا ليت قومي يعلمونَ.
وإن النَّاظر في حال أُمَّتنا اليوم ومُجتمعاتنا يرى مناظرَ يندى لها جبينُ الشُّرفاء، من الرَّكض وراء الغرب، والسِّباق نحو جُحره الذي نبَّأنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن خبره في الحديث الشَّريف، حين قال: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟).
ولا شيءَ يدلُّ على ضعف الأُمَّة الإسلاميَّة وهوانها وتبعيَّتها أكثر من كونها مُقلِّدةً لغيرها، فتجدُ البعض تشرئبُّ أعناقُهم إلى ما قال الغربُ، ليتغنَّوا به.. وموضة الغرب ليتزيَّنوا بها.. وحركات الغرب ليتمثَّلوا بها.. وإشارات الغرب ليتعاملوا ويتعارفوا بها، حتى أمسى القوم مُتكدِّسين في جُحرهم من شدَّة تزاحُمهم عليه، والبعض -وخاصَّةً الشَّباب منهم – قد أُشرِب قلبه حُبَّ التَّقليد للغرب الكافر، في مظاهر حياتهم وسُلوكهم، وفي ذلك قتلٌ للإنسانيَّة، ونزولٌ إلى دركٍ الحيوانات التي يقود القطيع واحدٌ منها، فيسقط القطيع كله مُتتابعًا إن سقط ذلك الواحد، ويستمرُّ مُستقيمًا في سيره إن استقامَ.
لا فرق بين مُقلِّدٍ وبهيمةٍ تنقاد بين جنادل ودعائر.. إنَّنا حين فرَّطنا في مبادئ ديننا القويم، ومُسلَّمات الشَّرع النَّبيل، ولهثنا وراء ما حدَّثنا به الغرب.. عمَّا فعله الغرب.. وعمَّا اعتقده الغرب، عن انتكاسة الفطرة، عن سلب العفَّة والحياء، عن الانسلاخ.. إنَّ الغرب قال: «أنا لكم قدوةٌ ورأسٌ، وأنتم لي رعاعٌ وأذنابٌ»، رواه المُنسلخ من هويَّته، عن المُعتزِّ بذنبِ غربِهِ، في كتابِهِ، فانسلخ من الهويَّة، ومن القيم والمبادئ الإسلاميَّة.
ومن المُؤسف أن تجد النَّاشئة قد تتمثَّل في شخصيَّاتهم مثلُ هذه المبادئ الغربيَّة الآسنة، التي لا تعرف للمبادئ والأُسس الإسلاميَّة مسلكًا وطريقًا، وتجد المُجتمع يحثُّهم على هذا؛ إن لم يكُن بالاتِّباع فرُبَّما بالتَّأييد بالقول، وإن لم يكن فبخرص الألسنة عنهم، وفي ذلك تأييدٌ لهم، فيستمرُّون على ذلك إلى أن تعُمَّهم خيبةٌ ووبالٌ، أو هُدى ورشادٌ، وإلى الله عاقبةُ الأُمور.
إنَّ الاعتزاز بالدِّين والهويَّة الإسلاميَّة لهو أعظمُ المطالب، وأسمى المراتب، التي يجب وجوبًا عينيًّا على كل فردٍ أن يستنَّ بها، وأن يتمثَّل بها قولًا وفعلًا؛ فنحن لسنا بحاجةٍ إلى أن نكتسبَ مبادئنا من الغرب المُرابي والمُقامر بالمبادئ والأخلاق، ما دام بين أيدينا وحيُ ربِّنا، وسُنَّةُ نبيِّنا – صلى الله عليه وسلم – فعودًا إلى موردها عودًا، وما عداها فعُرضُ الحائطِ أولى به.

وترقُّ أنفُسُنا لرُؤية من غَدَا
في ربقة التَّقليد شبهَ مُقيَّدِ

إنَّ المُقلِّد يلغي وجوده بتقليده لغيرِهِ، ويقضي على كيانِهِ، ويُغمض عينيه ليرى بأعيُن الآخرين، ويصِمُ أذنيه ليسمع بأُذني من قلَّده، ويُوقف حركة عقله وتفكيره ليُفكِّرَ بعقولهم، وأيُّ تبعيَّةٍ عمياءَ، وجاهليةٍ جهلاءَ تكمُن بعد هذا الأمر؟
إنَّا نرى التَّقليد داءً قاتلًا
حجب العقولَ عن الطَّريقِ الأرشدِ

إنَّ خطورة التَّقليد الأعمى تكمُن في كون المُقلِّد يظنُّ أنه مُهتدٍ، وهو ضالٌّ، ويرى نفسه على حقٍّ، وهو مُرتكسٌ في حمأة الباطل، ويرى نفسه متطوِّرًا مُتحضِّرًا مع أنه دخل جُحرَ الضَّبِّ الذي حذَّر منه النَّبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وتلك لعمر الله هزيمةٌ نفسيَّةٌ مريرةٌ، أُصيب بها كثيرٌ من المُسلمين، حين قلَّدوا أعداءهم وأعداءَ دينهم، وعظمُت المُصيبة حين كانت في أعزِّ شيءٍ لدينا؛ في شبابنا، رجال غدنا ومُستقبلنا.
وأهتفُ في الختامِ إلى من كان له قلبٌ أو ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ، إلى ذاكَ الذي في قلبه بذرةُ الغيرة والحميَّة، ولكن اجتالته شياطينُ الإنس عن المورد العذب.. عُودُوا إلى المنبع الصَّافي؛ منبع القيم والأخلاق، ولا تبغوا عنه بدلًا، ولا تحيدوا عنه طلبًا، فهو موردُكُم الأصيل، وكنزكُم الثَّمينُ، الذي ما إن تركتمُوه ونبذتمُوه وراء ظهوركم، إلا كان سببًا في هندام ضعفكم وذُلِّكم ومقتكُم.. فإذا اقتديتم فبالكتاب، وسُنَّةِ المبعوثِ بالدِّين الحنيف الطَّاهر.. وإنِّي لأجدُ فيكم رُوحَ الأملِ والتَّفاؤُلِ، كما وجد يعقوبُ ريحَ يُوسُفَ.

افحص أيضا

متى يكون الرحيل

  بقلم /أحمدالمتوكل بن علي النعمي كل شيء في الكون سوف يزول … ثم يبـقى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.